في ظل التقارب الملحوظ مع غريمة إثيوبيا وعدوها اللدود، قالت مجلة "هورن ريفيو"، إن مصر تصور علاقتها مع إريتريا على أنها تعاون براجماتي يخدم الاستقرار الإقليمي، إلا أن هذه العلاقة، في الواقع، تعكس تحالفًا استراتيجيًا محسوبًا، تشكّل في المقام الأول وفقًا لأولويات القاهرة الجيوسياسية في القرن الأفريقي. 

 

وذكرت أن موقع إريتريا على البحر الأحمر وقربها من  عدة بؤر توتر إقليمية، بما في ذلك جوار إثيوبيا، يجعلها شريكًا جذابًا لمصر في سعيها لتوسيع نفوذها وإدارة التنافسات الإقليمية. 

 

وأضافت أنه "بدلًا من أن تكون شراكة قائمة على التضامن المتبادل، أصبحت هذه العلاقة تُستخدم بشكل متزايد كأداة تُمكّن مصر من تحقيق أهداف استراتيجية أوسع نطاقًا عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي".

 

وأشارت إلى أن هذه الحسابات تتجلى بوضوح في المواجهة المصرية الإثيوبية بشأن سد النهضة الإثيوبي. فمع تصاعد التوترات المحيطة بالسد، سعت القاهرة إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية والأمنية مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي لترسيخ مكانتها الإقليمية. ولذا، فإن قرب إريتريا الجغرافي من إثيوبيا وساحلها الاستراتيجي قد زاد من أهميتها في الدبلوماسية الإقليمية المصرية. 

 

موطئ قدم جيوسياسي لمصر 

 

وفي هذا السياق، قال التقرير إن التقارب مع أسمرة يوفّر للقاهرة موطئ قدم جيوسياسي إضافي في منطقة تتشكل فيها المنافسة على النفوذ بشكل متزايد بفعل نزاع النيل وديناميات الأمن الأوسع.

 

واعتبر أن العلاقة بين مصر وإريتريا تعكس نمطًا نفعيًا واضحًا في السياسة الإقليمية، حيث غالبًا ما يطغى التوافق السياسي على الاعتبارات المجتمعية الأوسع. 

 

وفسر انخراط مصر مع إريتريا بأنه مدفوعٌ بالمصلحة الاستراتيجية أكثر من الشراكة المعيارية، إذ توفر إريتريا منفذًا جغرافيًا، وتوافقًا دبلوماسيًا، وصوتًا داعمًا في النقاشات السياسية الإقليمية. وفي الوقت نفسه، توفر مصر شرعية دولية ودعمًا سياسيًا يُعزز من استقرار النظام الإريتري. 

 

والنتيجة هي ترتيب غير متكافئ تتلاقى فيه مصالح الدول، حتى وإن ظلت فوائده على عامة السكان محدودة، بحسب التقرير.

 

وفقًا للتحليل، فإن حسابات مصر الإقليمية الأوسع، بما في ذلك التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، والمخاوف الأمنية المحيطة بالبحر الأحمر، والتوترات المرتبطة بنزاع النيل، جعلت من إريتريا شريكًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. 

 

كما شجع عزلة إريتريا الدبلوماسية الطويلة الأمد على تقارب أوثق مع القاهرة، مما خلق بيئة سياسية تسمح بتعميق التعاون بين الحكومتين مع رقابة خارجية محدودة نسبيًا. ومع ذلك، فبينما قد تخدم هذه العلاقة مصالح النخب السياسية في العاصمتين، إلا أنها لم تُترجم بالضرورة إلى تحسين حماية المدنيين الإريتريين خارج حدود إريتريا، كما تشير "هورن ريفيو".

 

تجارب اللاجئين الإريتريين في مصر

 

وذكرت أن هذه الفجوة تتجلى بوضوح في تجارب اللاجئين الإريتريين في مصر. حيث يغادر العديد من الإريتريين بلادهم هربًا من الخدمة الوطنية غير المحددة المدة، والضائقة الاقتصادية، والقمع السياسي، بحثًا عن الأمان والحماية الدولية في الخارج. 

 

لكنها أشارت إلى أن بيئات اللجوء في مصر باتت تتأثر بشكل متزايد بسياسات الهجرة ذات التوجه الأمني، مما يجعل العديد من المواطنين الإريتريين عرضة للاحتجاز والظروف القانونية المقيدة. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يواجه الأفراد الفارين من المصاعب بيئة حماية مقيدة بأولويات أمن الدولة الأوسع.

 

أكثر من 3 آلاف لاجئ محتجز في مصر 

 

وتُظهر الأدلة التي جمعتها منظمات رصد حقوق الإنسان حجم هذه المخاوف. فقد قدّرت منظمة "هيومن رايتس كونسيرن - إريتريا" أن أكثر من 3 آلاف لاجئ وطالب لجوء إريتري قد يكونون محتجزين حاليًا في مصر، بمن فيهم أفرادٌ يُزعم أنهم كانوا مسجلين  لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وقت اعتقالهم. 

 

ومما يثير القلق بشكل خاص التقارير التي تفيد بوفاة طفلين صغيرين بعد احتجاز والدتهما واختفائها لاحقًا، مما يطرح تساؤلات إنسانية وقانونية خطيرة. ووفقًا لهذه التقارير، تُثير هذه الحوادث مخاوف بشأن الامتثال للقانون الدولي للاجئين، بما في ذلك الحماية من الاحتجاز التعسفي والتعذيب ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

 

لكن التقرير قال إن هذه التطورات لا يبدو أنها تمثل حالات معزولة، بل تعكس بيئة سياسية أوسع نطاقًا، حيث ترتبط إدارة شؤون اللاجئين الإريتريين ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات الدبلوماسية بين مصر وإريتريا. ويشير استعداد مصر لاحتجاز مواطنين إريتريين والنظر في ترحيلهم  إلى أن الاعتبارات الإنسانية قد تصبح أحيانًا ثانوية أمام اعتبارات جيوسياسية أوسع. 

 

لذا، أثارت التقارير عن عمليات ترحيل محتملة إلى أسمرة مخاوف لدى مراقبي حقوق الإنسان من أن إدارة شؤون الهجرة قد تتأثر، جزئيًا على الأقل، بجهود الحفاظ على علاقات مواتية مع السلطات الحاكمة في إريتريا.

 

https://hornreview.org/2026/03/12/egypts-strategic-calculations-in-its-relationship-with-eritrea/